محمد جمال الدين القاسمي

294

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

وأقوالهم ونياتهم وَالْقانِتِينَ المطيعين للّه الخاضعين له وَالْمُنْفِقِينَ أموالهم في سبيل اللّه تعالى من الأرحام والقرابات ، وسد الخلات ، ومواساة ذوي الحاجات وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحارِ . جمع سحر ( بفتحتين وفتح وسكون ) وهو الوقت الذي قبيل طلوع الفجر آخر الليل . وتسحّر إذا أكل في ذلك الوقت . قال الحرالىّ : وفي إفهامه تهجدهم في الليل كما قال تعالى : كانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ وَبِالْأَسْحارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ [ الذاريات : 17 - 18 ] . وقال الرازيّ : واعلم أن المراد منه من يصلي بالليل ثم يتبعه بالاستغفار والدعاء ، لأن الإنسان لا يشتغل بالدعاء والاستغفار إلا أن يكون قد صلّى قبل ذلك . فقوله : وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحارِ يدل على أنهم كانوا قد صلوا بالليل - انتهى - وقد روى ابن أبي حاتم أن عبد اللّه بن عمر كان يصلي من الليل ، ثم يقول : يا نافع ! هل جاء السحر ؟ فإذا قال : نعم ، أقبل على الدعاء والاستغفار حتى يصبح . وروى ابن مردويه عن أنس بن مالك قال : كنا نؤمر إذا صلينا من الليل أن نستغفر في آخر السحر سبعين مرة . وروى ابن جرير عن حاطب قال : سمعت رجلا في السحر في ناحية المسجد وهو يقول : يا رب أمرتني فأطعتك ، وهذا السحر . فاغفر لي . فنظرت فإذا هو ابن مسعود . وثبت في الصحيحين « 1 » وغيرهما من المسانيد والسنن من غير وجه عن جماعة من الصحابة أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قال : ينزل ربنا ، تبارك وتعالى ، كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر . يقول : من يدعوني فأستجيب له ؟ من يسألني فأعطيه ؟ من يستغفرني فأغفر له ؟ و في رواية لمسلم : ثم يبسط يديه تبارك وتعالى ويقول : من يقرض غير عدوم ولا ظلوم ؟ و في رواية : حتى ينفجر الفجر . قال الحافظ ابن كثير : وقد أفرد الحافظ أبو الحسن الدارقطنيّ في ذلك جزءا على حدة فرواه من طرق متعددة . ويروى أن بعض الصالحين قال لابنه : يا بنيّ ! لا يكن الديك أحسن منك ، ينادي بالأسحار وأنت نائم ، والحكمة في تخصيص الأسحار كونه وقت غفلة الناس عن التعرض للنفحات الرحمانية ، والألطاف السبحانية ، وعند ذلك تكون العبادة أشق ، والنية خالصة ، والرغبة وافرة ، مع قربه ، تعالى وتقدس ، من عباده . قال السيوطيّ : في الآية فضيلة الاستغفار في السحر ، وأن

--> ( 1 ) أخرجه البخاريّ في : التهجد ، 14 - باب الدعاء والصلاة من آخر الليل حديث 629 ، عن أبي هريرة . ومسلم في : صلاة المسافرين وقصرها ، حديث 168 - 172 .